القصر والجمع
من كتاب المغني / الجزء الثاني
كتاب الصلاة / باب صلاة المسافر
مسألة: ليس لمن نوى السفر القصر حتى يخرج من بيوت قريته
( 1235 ) مَسْأَلَةٌ ; قَالَ : ( إذَا جَاوَزَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ ) . وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ نَوَى السَّفَرَ الْقَصْرُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ بُيُوتِ قَرْيَتِهِ , وَيَجْعَلَهَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ . وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ , وَالشَّافِعِيُّ , وَالْأَوْزَاعِيُّ , وَإِسْحَاقُ , وَأَبُو ثَوْرٍ , وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ . وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ , وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى , أَنَّهُمَا أَبَاحَا الْقَصْرَ فِي الْبَلَدِ لِمَنْ نَوَى السَّفَرَ . . وَعَنْ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ , أَنَّهُ أَرَادَ سَفَرًا , فَصَلَّى بِهِمْ فِي مَنْزِلِهِ رَكْعَتَيْنِ , وَفِيهِمْ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ , وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ . وَرَوَى عُبَيْدُ بْنُ جَبْرٍ , قَالَ : { كُنْت مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ فِي سَفِينَةٍ مِنْ الْفُسْطَاطِ , فِي شَهْرِ رَمَضَانَ , فَدَفَعَ , ثُمَّ قَرُبَ غِذَاؤُهُ , فَلَمْ يُجَاوِزْ الْبُيُوتَ حَتَّى دَعَا بِالسُّفْرَةِ , ثُمَّ قَالَ : اقْتَرِبْ . فَقُلْت : أَلَسْت تَرَى الْبُيُوتَ ؟ قَالَ أَبُو بَصْرَةَ : أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم . فَأَكَلَ } . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد . وَلَنَا , قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ } وَلَا يَكُونُ ضَارِبًا فِي الْأَرْضِ حَتَّى يَخْرُجَ , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يَبْتَدِئُ الْقَصْرَ إذَا خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ . قَالَ أَنَسٌ : { صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا , وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ } . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ , فَأَمَّا أَبُو بَصْرَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ حَتَّى دَفَعَ , وَقَوْلُهُ : لَمْ يُجَاوِزْ الْبُيُوتَ : مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لَمْ يَبْعُدْ مِنْهَا ; بِدَلِيلِ قَوْلِ عُبَيْدٍ لَهُ : أَلَسْت تَرَى الْبُيُوتَ ؟ إذَا ثَبَتَ هَذَا ; فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْبُيُوتِ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ , أَنَّ لِلَّذِي يُرِيدُ السَّفَرَ أَنْ يَقْصُرَ الصَّلَاةَ إذَا خَرَجَ مِنْ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا .
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ , أَنَّهُ قَالَ : إذَا خَرَجْت مُسَافِرًا فَلَا تَقْصُرْ الصَّلَاةَ يَوْمَك ذَلِكَ إلَى اللَّيْلِ , وَإِذَا رَجَعْت لَيْلًا فَلَا تَقْصُرْ لَيْلَتَك حَتَّى تُصْبِحَ . وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ } . وَأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ لَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهَا . وَحَدِيثُ أَبِي بَصْرَةَ , وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْهَمَذَانِيُّ : خَرَجْنَا مَعَ عَلِيٍّ رضي الله عنه مَخْرَجَهُ إلَى صِفِّينَ , فَرَأَيْته صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ الْجِسْرِ وَقَنْطَرَةِ الْكُوفَةِ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : خَرَجَ عَلِيٌّ فَقَصَرَ , وَهُوَ يَرَى الْبُيُوتَ , فَلَمَّا رَجَعَ قِيلَ لَهُ : هَذِهِ الْكُوفَةُ . قَالَ : لَا حَتَّى نَدْخُلَهَا . وَلِأَنَّهُ مُسَافِرٌ , فَأُبِيحَ لَهُ الْقَصْرُ , كَمَا لَوْ بَعُدَ . ( 1236 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْبَلَدِ , وَصَارَ بَيْنَ حِيطَانِ بَسَاتِينِهِ , فَلَهُ الْقَصْرُ ; لِأَنَّهُ قَدْ تَرَكَ الْبُيُوتَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَإِنْ كَانَ حَوْلَ الْبَلَدِ خَرَابٌ قَدْ تَهَدَّمَ وَصَارَ فَضَاءً , أُبِيحَ لَهُ الْقَصْرُ فِيهِ كَذَلِكَ . وَإِنْ كَانَتْ حِيطَانُهُ قَائِمَةً فَكَذَلِكَ . قَالَهُ الْآمِدِيُّ , وَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُبَاحُ . وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ السُّكْنَى فِيهِ مُمْكِنَةٌ , أَشْبَهَ الْعَامِرَ . وَلَنَا , أَنَّهَا غَيْرُ مُعَدَّةٍ لِلسُّكْنَى , أَشْبَهَتْ حِيطَانَ الْبَسَاتِينِ . وَإِنْ كَانَ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ نَهْرٌ فَاجْتَازَهُ , فَلَيْسَ لَهُ الْقَصْرُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْبَلَدِ وَلَمْ يُفَارِقْ الْبُنْيَانَ , فَأَشْبَهَ الرَّحْبَةَ وَالْمَيْدَانَ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ . وَإِنْ كَانَ لِلْبَلَدِ مَحَالُّ , كُلُّ مَحَلَّةٍ مُنْفَرِدَةٌ عَنْ الْأُخْرَى , كَبَغْدَادَ , فَمَتَى خَرَجَ مِنْ مَحَلَّتِهِ أُبِيحَ لَهُ الْقَصْرُ إذَا فَارَقَ مَحَلَّتَهُ , وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا مُتَّصِلًا بِبَعْضٍ , لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يُفَارِقَ جَمِيعَهَا . وَلَوْ كَانَتْ قَرْيَتَانِ مُتَدَانِيَتَيْنِ , فَاتَّصَلَ بِنَاءُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى , فَهُمَا كَالْوَاحِدَةِ , وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ , فَلِكُلِّ قَرْيَةٍ حُكْمُ نَفْسِهَا . ( 1237 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ الْبَدَوِيُّ فِي حِلَّةٍ , لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يُفَارِقَ حِلَّتَهُ , وَإِنْ كَانَتْ حِلَلًا فَلِكُلِّ حِلَّةٍ حُكْمُ نَفْسِهَا , كَالْقُرَى . وَإِنْ كَانَ بَيْتُهُ مُنْفَرِدًا فَحَتَّى يُفَارِقَ مَنْزِلَهُ وَرَحْلَهُ , وَيَجْعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ , كَالْحَضَرِيِّ .