قد يكون الأمر غريباً في طرح مثل هذا التساؤل خاصة أن السيولة المالية هي أموال خاصة لمواطنين، ولكن لماذا لا نحاول فعلا دراسة مبررات ذلك نظراً الى ان تلك السيولة وخلال السنتين الأخيرتين تمثل قوة مالية استثمارية مهدرة لم تستغل في أي استثمار آمن ومفيد للمواطن وللاقتصاد الوطني بشكل عام، بالرغم من وجود الرغبة في استثمار تلك الأموال والتي تزامنت مع دعوات بالمطالبة بعودة الأموال المهاجرة مما أدى الى ارتفاع السيولة المالية المحلية سنة بعد أخرى، وإذا كنا نعاني من زيادة السيولة المالية حالياً وعدم مقدرتنا على استغلالها والتقليل من آثارها السلبية وعلى رأسها التضخم، فإننا سنواجه تدفق سيولة مالية جديدة وكبيرة بعد منتصف العام الحالي 2006م بسبب بدء الدولة بالصرف الفعلي وبمبالغ كبيرة على المشاريع الضخمة المعتمدة بالميزانية والفائض العام الماضي في مختلف المجالات والتي بدأ العمل في تنفيذها.
ولأنه من الواضح انه لم تكن لدينا خطة وآلية محددة يتم بموجبها توجيه تلك الأموال واستثمارها في مجالات مربحة ومفيدة، تستغل الإمكانات المتاحة وتغطي احتياجات المملكة، وترك الأمر حسب اجتهادات أصحاب تلك الأموال، فإن الجميع أصبح في حيرة في اختيار الطريقة المناسبة لاستثمار ما لديهم من أموال، ولذلك خاضوا تجارب مريرة في ذلك، وظهر حينها من أراد استغلال تلك السيولة المالية، فانتشرت ظاهرة المساهمات العقارية في عدد من مدن المملكة والتي طرحت بأسعار عالية، وشركات توظيف الأموال ومساهمة سوا والمساهمة في مشاريع عقارية ضخمة خارج المملكة، وجميع تلك المشاريع والمساهمات تم الإقبال عليها بدون التأكد منها، وبالتالي خسر الكثير منهم رؤوس أموالهم وتبخرت الأحلام بتحقيق الأرباح، ثم استمرت المحاولات لعدم وجود الموجّه لتلك السيولة بالمضاربة بسوق الأسهم، وكذلك الاتجاه للدول المجاورة للاكتتاب في بعض الشركات هناك، ولكن أصيبوا بإحباط شديد بعد تخصيص عدد قليل من الأسهم التي لم تكف قيمتها لتغطية التكاليف التي تكبدوها للاكتتاب، ومع ذلك فهم مستمرون في ملاحقة أي اكتتاب قادم يتم الإعلان عنه، ولن نستغرب لو تم طرح شركات شكلية أو وهمية للاكتتاب في بعض الدول ليتم استغلال رغبة مواطني المملكة في الاستثمار وبأي طريقة!
وخلال تدفق تلك الأموال على تلك المساهمات اكتفت جهات حكومية بالتحذير فقط من بعض المساهمات والاستثمارات ولكن جوهر المشكلة - ان اعتبرناها مشكلة - انه لم يتم ايجاد الحل المناسب لاستغلال زيادة السيولة المالية لدى المواطنين، والذين مازالوا يرون أن الاستثمار المتاح لهم إما أن يكون في العقار أو في سوق الأسهم، وأمام استمرار تجاهل أهمية توجيه تلك السيولة، استمر المواطنون في التخبط في طرق الاستثمار بسبب كون مهمة ادارة وتوجيه تلك السيولة لم تسند إلى أي جهة، وما نعنيه هنا هو توسيع دائرة الاستثمار، وبحيث تقوم هيئة الاستثمار بدور إيجابي تجاه الاستثمار المحلي، وبما يؤدي الى تحقيق التكامل بين الاستثمار المحلي (السيولة المالية) والاستثمار الأجنبي (الخبرة والتقنية) خاصة وان الهيئة قامت بجهود كبيرة لتوفير مجالات الاستثمار وتذليل كافة الصعوبات للمستثمر الأجنبي، كما يجب أن تكون هناك مبادرة وجرأة في ابتكار طرق جديدة للاستثمار، وأن يتم فتح المجال للمواطن في تأسيس شركات مساهمة تتولى الادارة والتشغيل لأي مرفق صناعي أو خدمي بدلاً من الوضع الحالي وهو اقتصار تأسيس تلك الشركات على مجموعة من رجال الأعمال أو الشركات أو صندوق الاستثمارات العامة وطرح جزء منها للمواطنين بعد عدة سنوات وتحميلهم بعلاوة إصدار - غير مقنعة مالياً - مقابل ذلك، في حين أن المواطن حالياً لديه القدرة المالية على تأسيس تلك الشركات، وبحيث يمكن تخصص نسبة لرجال أعمال أو لشركة لديها الخبرة والتقنية المطلوبة لكي تتولى الاستثمار في أحد الأنشطة التي يمكن استغلال هذه الطفرة في ذلك.
كما أن بعض الجهات الحكومية من المؤكد لديها ملفات للاستثمار في بعض الأنشطة ذات النفع العام، أغلقت حينها بسبب عدم وجود مستثمرين بسبب الوضع الاقتصادي خلال السنوات السابقة التي انخفضت فيها أسعار النفط، ولذلك فإن إعادة فتح تلك الملفات وطرح استثمارها من قبل شركات تؤسس من المواطنين أصبح أمراً ممكناً، لكن المواطن سيحصل على قيمة ما دفعه مضاعفا بعد التداول، وأن هناك من سيقوم بشراء تلك الأسهم للاستثمار أو المضاربة بها.
إن السيولة العالية للنقد تتمناها اقتصاديات دول عديدة ونحن لم نستغلها حتى الآن سوى في مجال المضاربات بالأسهم أو في العقار، بينما في الوقت نفسه نعلم بأنها لن تستمر، وأكثر ما يخشاه الأغلبية أن تنتهي هذه الطفرة بدون أن يستفيد الاقتصاد الوطني أو حتى المواطنين سوى أرقام أضيفت لحساباتهم لفترة زمنية ولم يقبضوها فعلا!! بل الأكثر سوءا هو عندما تنتهي الطفرة ونجد ان ما حصلنا عليه منها هو التضخم السعري للسلع والخدمات.
٭ محلل مالي
[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]