لقد حملت ميزانية هذا العام وكذلك الأعوام السابقة الكثير من الخير والذي شكل فائضاً في ميزانية الدولة ووصلت ميزانية العام الحالي إلى مستوى تاريخي في تقديرات المصروفات والإيرادات الفعلية للميزانية وذلك يعود، بعد فضل الله تعالى، لارتفاع أسعار النفط ووصوله إلى مستويات قياسية في الآونة الأخيرة. إن التتبع التاريخي لميزانية الدولة يظهر بجلاء مدى تأثرها المباشر والقوي بأسعار النفط في السوق العالمية والذي يحكمه عوامل عدة تجعل من الصعوبة بمكان التنبؤ بأسعار النفط بصورة دقيقة وبالتالي تحديد إيرادات الميزانية بشكل واضح. وحيث إن إيرادات النفط تمثل حوالي 78٪ من إيرادات الدولة لعام 2005 ونسبة 47٪ من الناتج المحلي بالأسعار الجارية لعام 2004، فإن هذا يمثل عائقاً جلياً وعنصراً غير صحي في رسم الخطط والسياسات المالية والاقتصادية للدولة. ولقد كان من أهم أهداف الخطط الخمسية للدولة تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيس لإيرادات الدولة، إلا أن هذه المحاولات لم تنجح بالشكل الذي نتطلع إليه وذلك بتقليل الاعتماد على النفط إلى مستويات معقولة تضمن لنا، وإلى حد مقبول، رسم الخطط والسياسات ووضع الاستراتيجيات المتكاملة لمختلف قطاعات الدولة بعيداً عن التقلبات غير المتوقعة لأسعار النفط.
ومع التقلب في أسعار النفط العالمية، ظهرت دعوات من عدد من الاقتصاديين والمهتمين بإنشاء صندوق للأجيال القادمة يكون من اهتماماته استثمار الفائض في الميزانية، خاصة في ظل زيادة أسعار النفط، وبحيث أن يكون مموناً لعجز الميزانية في حالة انخفاض أسعار النفط مما يغني الحكومة عن الاقتراض الداخلي أو الخارجي لسد ذلك العجز مما يضمن عدم تضخم الدين العام للدولة والذي بلا شك يقوي مركزها الائتماني وبالتالي ملاءمتها المالية والاقتصادية عالمياً ومن ثمًّ يضمن تحقيق الحد الأدنى من تنفيذ الخطط والسياسات الحكومية بمعزل عن تقلبات أسعار النفط.
إلا أنه، وفي رأيي الشخصي، فإن صندوق الاستثمارات العامة، وهو الذراع المالي والاستثماري لوزارة المالية، قادر على القيام بدوره بشكل جيد وأن يكون كصندوق للأجيال القادمة وإن اختلفت المسميات. على الرغم من ذلك، فإن الحاجة ملحة لتفعيل دور صندوق الاستثمارات العامة ووضع استراتيجية منهجية لعمل الصندوق وأهدافه لتكون أكثر شمولية وفعالية. فمع دخول المملكة لمنظمة التجارة الدولية ومع اتجاه النظام الدولي للعولمة أصبح من المجدي والضروري الاندماج في المجتمع الدولي اقتصادياً واستثمارياً. فمن الأجدى من نواح عدة، اقتصادية، استثمارية، وغيرها توجيه الفائض في إيرادات الميزانية لتنويع الاستثمار خارجياً من خلال عدد من القنوات الاستثمارية طويلة الأمد مما يحقق ويضمن عدداً من المزايا والمنافع للدولة اقتصادياً، تنموياً، سياسياً، واجتماعياً. فمن المسلم به في الوقت الحالي أن الاستثمار داخلياً ذو مردود اقتصادي مجز، إلا أن الاستثمار في الخارج متى ما كان منهجياً ووضع بشكل سليم وبتخطيط استراتيجي يجلب العديد من المنافع للوطن والمواطنين على حد سواء. فالاستثمار المباشر في الشركات العملاقة في مختلف القطاعات والاستحواذ على البعض منها يتيح للدولة تحقيق عدد من المزايا المهمة والضرورية لتنويع مصادر الدخل ولدعم الاقتصاد الوطني. فمن أهم مزايا الاستثمار والاستحواذ على بعض الشركات المهمة والعملاقة وخاصة متعددة الجنسية (Multinational firms) هو إعطاء الدولة والمواطنين الحق في دخول مجالس إدارة تلك الشركات بحكم الملكية ونقل تجارب تلك الشركات من خلال الاحتكاك مع إداراتها والتعامل معها والاستفادة من خبرات هذه الإدارات بطرق شتى. كما إن الملكية في تلك الشركات يتيح لنا التأثير على استراتيجياتها في نقل المعرفة (Know how) إلى بلادنا بشقيها التقني والإداري. إضافة إلى أن التملك في الشركات الأجنبية، خاصة في وجود منظمة التجارة الدولية (WTO)، يتيح للدولة إمكانية التقارب الاقتصادي والسياسي مع الدول المختلفة وأن تكون العلاقة بين المملكة العربية السعودية وتلك الدول قائمة على تبادل المصالح مما ينعكس ايجابياً على العلاقات الاقتصادية والسياسية. علاوة على ذلك، فإن الاستحواذ على تلك الشركات يتيح للدولة التأثير على سياسات تلك الشركات في تنفيذ البرامج التدريبية المتقدمة في المملكة العربية السعودية ولصالح الشباب السعودي الطموح مما يؤهلهم لتنبوء مراكز قيادية مرموقة في الشركات المحلية والعالمية. ختاماً، فإن ايجاد مصادر بديلة للدخل ولإيرادات الدولة تشكل محوراً أساسياً يجب التركيز عليه من نواح عدة كون الخطط الاستراتيجية للتنمية تعتمد بشكل أساسي على تحديد دقيق لمصروفات الدولة ليتم تنفيذ تلك الخطط بشكل سليم وبعيداً عن التأثير على مديونية الدولة والتزاماتها.
٭ عضو المعهد الأوروبي لحوكمة الشركات
[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]