مدينتنا مدينة هادئة على البحر قابعة, لا فرق بين كبير وصغير فيها, فالكل فيها سواء لا يجدون ما يأكلون او يشربون, ولكنهم دوما سعداء, هم حقا يحمدون الله صباح مساء على ما رزقهم, لكنهم يدعونه ويطلبون منه ان يزيل عنهم همهم وغمهم, وان تتحسن احوالهم وهم, على هذا الحال سنين منذ ان جلس الملك على كرسيه, صحونا جميعا ذات يوم على اصوات الخيول الأميرية,والأبواق الملكية, التي تنذرنا دوما بحادثة عظيمة قد تحدث او مصيبة سوف تحل, وامرونا بالخروج للاستماع إلى الوزير, وتنفيذ أوامره دون أدنى معارضة , ومن منا يستطيع المعارضة؛ فمن يعارض يكن مصيره الجلد او الحبس او الاهانة وهذه اقل الحالات, تقدم الوزيرممسكا بوقه قائلا : سيقدم الملك اليكم يوم الثلاثاء, ولا أريد منك إظهارا لأي مشاكل, فالملك لديه مشاكل الدولة باكملها, فلا يتحدث احد الا بما أمره به, ومن سيخالف أوامري سيكون مصيره الجلد, وبدأ يوزع الأدوار علينا , أنت تحدث وأنت لا, أنت قف وأنت لا, وكأننا دمى يحركها الوزير كيف يشاء .
ومرت الأيام ,اليوم تلو الأخر, وأتى الملك في موكب عظيم, يلقي الرعب في قلب من يراه من كم جنوده وفرسانه وخدمه وحشمه , وكلنا خائف مرتعد حتى انا إلا عمر !! تقدم الفتى عمر فى خطى ثابته يخترق حاجز الصمت الى فرضه علينا ذلك الموكب العظيم مبتسما قائلا : سيدى الملك .. لقد شرفت ميدنتنا بمقدمك ونعم اهلها بالخير الوفير, والمال الكثير مما جعلنا نتمنى ان تظل بيننا طيلة العام يا سيدي؛ تبسم الملك من إطرائه وظن أنه أحد المحفظين بكلمات الوزير و وان إرسال الوزير إلى القرية قد اتى بثمار طيبة , ولكن.... يقاطع الفتى عمر تلك الظنون والآمال قائلا: منذ سنوات لم يتغير طعامنا ولا لباسنا ولا شرابنا وان تكلم احدنا.. يلقى ما لا تحمد عقباه من سجن او حبس او اذلال وفي بعض الأحوال الموت يا سيدي, ينظر إليه الملك ضاحكا قائلا: انت فتى شجاعٌ يا عمر .. وسأنظر في شكواك , وانصرف الملك قاطعا زيارته وهو يتوعد الوزير واختفى معه عمر , مضى العام بعد العام ولم يظهر عمر, ولم يتحسن حالنا, ولم يتغير طعامنا وشرابنا ولباسنا بل زادت الاحوال ضيقا وهما وغما, وعملت وقتها بالتجارة؛ عسى أن أجد ما يكفيني ويسد حجات والداي اللذان قد أرهقهما الكبر, ووهنت قوتهما؛ فلم يستطع احد منهما ان يقوى على العمل, وكنت في طريقي ذات مرة لأجلب بعض البضائع من احدى البلدان المجاورة , واعيانا حر الشمس, فاستأذنت الجمال أن ننتظر فنستظل تحت ظل شجرة .
وما إن وصلنا إليها حتى وجدناها قد نبتت على قبر متكوب على قبوته هنا يرقد الفتى عمر , الذى اعجبت الملك شجاعته وتلك الشجرة قد روتها دمائه الطاهر؛ فكلوا من ثمارها إن أحسستم بالجوع, واستظلوا بظلها إن أعيتكم شمسنا وعصروا أوراقها فاشربوها إن شعرتم بالعطش, ها هو الفتى عمر قد وهب لكم ما لم يهبه لكم الملك من ظل وطعام وشراب . نظرت اليها متبسما قائلا: من يا ترى قد كتبها .... عمر جديد قد ظهر!؟؟؟